أبي منصور الماتريدي
396
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله - عزّ وجل - : لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً ، فذكر بعضهم « 1 » أن البرد هو النوم . ومنهم من ذكر أن معناه : الروح ، والراحة . وقال بعضهم « 2 » : لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً يقطع عنهم الحر ، وَلا شَراباً يقطع عطشهم ، إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً فالحميم : هو الماء الذي قد انتهى في الحر نهايته ، والغساق : الزمهرير . وقال بعضهم « 3 » : هو ما ينفصل عن أبدانهم من الصديد والزهومة ، وهو الودك ؛ فمعناه - والله أعلم - : أن الذي يتطعم به أهل النار لا يعذبهم « 4 » ، ولا يجدون به مستمتعا ، بل يصير ذلك سبب إهلاكهم ، لا أن يقع لهم بذلك البرد راحة وشفاؤهم ؛ كما وصفهم الله - تعالى - : فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى [ طه : 74 ] ، فيبقون أبدا في الهلاك لا يقضى عليهم فيستريحوا ، ولا ينقطع عنهم العذاب فيتلذذوا بالحياة . وقيل : الغساق : لون من العذاب ، لم يطلع الله تعالى عليه عباده . وقوله - عزّ وجل - : جَزاءً وِفاقاً ، أي : وافق جزاؤهم أعمالهم ، لا ينقصون ، ولا يزدادون على قدر ما استوجبوا ، بل يجزون مثل أعمالهم . وجائز أن يكون معناه : أن جزاءهم وافق أعمالهم في الخبث . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً : منهم من ذكر أنهم لا يخافونه . ومنهم من حمله على حقيقة الرجاء ، أي : لم يكونوا يرجون الثواب . والوجه فيه : أنهم كانوا قوما لا يؤمنون بالبعث ولا بالجزاء والعذاب حتى يخافوا العقاب ، ويرجوا الثواب . فإن حملته على الخوف ، فهم لم يخافوه ؛ لما لم يؤمنوا به ، وكذلك إن حملته على حقيقة الرجاء ، فهم لم يكونوا يرجونه ؛ لما كذبوا به . وقوله - عزّ وجل - : وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً ، فالكذاب والتكذيب في لغة العرب واحد ؛ والآيات : جائز أن يراد بالآيات آيات البعث ، ويراد بها آيات الوحدانية ، وآيات الرسالة ، ونحوها .
--> ( 1 ) قاله مرة أخرجه ابن المنذر عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 503 ) . ( 2 ) قاله ابن عباس بنحوه أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 503 ) وهو قول أبي العالية أيضا . ( 3 ) قاله أبو رزين أخرجه ابن جرير عنه ( 36065 ، 36067 ) وهو قول عكرمة وإبراهيم وسفيان وقتادة وغيرهم . ( 4 ) كذا في أ .